أحمد بن علي الرازي

45

شرح بدء الأمالي

فكل مخلوق بخليقته الشاهد على أن خالقه واحد وهو غنى عن الشريك والنظير ، والصاحب والوزير ، وهو إله السماوات والأرض ، وإله الخلق أجمعين كما قال الله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] . لأنه لو كان للعالم صانعان لا يخلو إما أن يكونا قادرين مخالفين ، أو موافقين ، [ 9 ] أو عاجزين ، أو يكون أحدهما قادرا والآخر عاجزا ، لا وجه للأول ؛ لأنه يؤدى إلى التمانع والتدافع ، وذلك محض الفساد ، ولا وجه للثاني والثالث والرابع ؛ لأن العاجز لا يصلح أن يكون إلها ، فإذا تعذر إثبات الصانعين ثبت أن الصانع واحد ، بلا مثل ، ولا حد ، ولا شبيه ، ولا عدو ، بلا ضد ولا ند كما قال الله تعالى : إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ [ النساء : 171 ] . وقال الله تعالى : وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [ البقرة : 163 ] . فالإيمان على الجارحتين « 1 » : يعنى على القلب واللسان لا غير ، ولا ينفع تصديق

--> ( 1 ) قول المؤلف : « الإيمان على الجارحتين » يعنى على القلب واللسان لا غير هو قول الطحاوي ومن وافقه . قال الأذرعى : وذهب كثير من أصحابنا إلى ما ذكره الطحاوي : أنه إقرار باللسان ، وتصديق بالجنان . قلت : وهذا قول مخالف لكتاب الله وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، ولما ذهب إليه جمهور أهل السنة كالشافعي ، وأحمد ، والأوزاعي ، وإسحاق ، وسائر أهل الحديث ، وأهل المدينة ، وأهل الظاهر ، وجماعة من المتكلمين إلى أنه : تصديق بالجنان ، وإقرار باللسان ، وعمل بالأركان . واعلم أننا لا نستطيع أن نشق الصدور لنطلع على الجنان ، فلا يبقى من معرفة الإيمان عند المؤلف ، ومن وافقه : إلا الإقرار باللسان ، وهو مذهب الكرامية . وذهبت الجهمية إلى أن الإيمان هو معرفة القلب ، وهذا القول أظهر فسادا من سابقه . ووافقت المعتزلة قول الجمهور من أهل السنة والجماعة إلى أن : الإيمان قول وعمل ؛ لكن بشروط ذكرها ابن حجر في : « فتح الباري » ( كتاب الإيمان ) . والحاصل : أن الإيمان عند جمهور أهل السنة قول وعمل ، ولا يذكرون القلب إلا للبيان ؛ لأن لنا الظاهر والقلب من الأعمال الباطنة التي لا يعلمها إلا الله ، ويرفع الإيمان عن صاحبه إذا ارتكب عملا من الأعمال التي ذكرها النبي صلّى اللّه عليه وسلم حين ارتكابه للعمل كالزنا والسرقة . ويبقى أصل الإيمان أو لا يبقى ؟ وذلك متوقف على وجود شروط وانتفاء موانع ؛ فإن قلنا : إن الإيمان قول فقط كان صوابا لمن كان حديث عهد بالإسلام ، أو الكافر قالها ابتداء على أي -